🦋

 كان الطريق هو نفسه تمامًا.

من المرجّح أن آ-تشونغ كان قد اصطحب الناس لزيارة القصر الكبير مرات لا تُحصى، أما نينغ يو، فكانت هذه زيارته الثالثة له. نزلوا من الحافلة بعد الوصول، وبدأت آمي بإجراء تعداد في الصف الأمامي، تنادي: العائلة رقم 1، العائلة رقم 2…

وقف نينغ يو وآ-تشونغ في آخر الصف. وعندما نُودي على العائلة رقم 8، رفع الاثنان أيديهما في الوقت نفسه ثم أنزلاهما بوجوه خالية من التعبير. كان المكان مزدحمًا بجماعات سياحية عديدة، وتحت هذا الازدحام كان ضوء الشمس ساطعًا وحارقًا، ينهال على الناس بلا رحمة.

أدار آ-تشونغ رأسه جانبًا ونظر إلى نينغ يو.

“ما زلت تريد زيارة القصر الكبير؟”

أخرج نينغ يو قطعة حلوى صلبة بنكهة الليمون من حقيبته وناولها له، ثم قال:

“لا. أريد أن أدعوك على فنجان قهوة. هل أنت متفرغ؟”

ضحك آ-تشونغ، أخذ الحلوى، وتابع المزاح:

“هل أذهب بصفتي مرشدًا مع زبون من مجموعتي السياحية، أم مع صديق؟”

ضحك نينغ يو معه وقال:

“أنا ذاهب مع حبيبي. هل يجوز؟”

أخبرا آمي بذلك، ثم انطلقا للبحث عن المقهى الذي ذهبا إليه معًا في المرة السابقة.

مرا بجوار كشك الحراسة الذي مرّا به من قبل. هذه المرة لم يتوقف آ-تشونغ للدردشة مع الحراس—فالطقس كان شديد الحرارة، وكان من السهل أن يشعر المرء بالنعاس عند الظهيرة. قال نينغ يو إنه يريد تدخين سيجارة، فرافَقه آ-تشونغ إلى مكان مخصص للتدخين، ويداه في جيبيه.

وقفا جنبًا إلى جنب. كان نينغ يو يدخن، بينما كان آ-تشونغ يمص حلوته، يراقبان السياح المارين ويتأملان المنظر.

“هل الحراس هنا مختلفون عن المرة السابقة؟” أشار نينغ يو بسيجارته نحو الكشك. “ما زلت أذكر اليوم الذي طلبت فيه من ابنة الحارس أن تناديني جيجي. كانت طفلة تبدو بصحة جيدة.”

“نعم، انتقلت العائلة إلى تشيانغ ماي من أجل العمل.”

“وكيف تعرف حراس هذا المكان؟”

“أنا من دلّهم على هذه الوظيفة. كنت أعرفهم من قبل؛ كانوا يعملون لدى سان جيه.”

هزّ آ-تشونغ كتفيه، وقال بنبرة لا مبالية:

“حين خرجت للعمل في البداية، كان عليّ أن أحتك بهؤلاء الأشخاص. أنا مثلهم تمامًا؛ كلنا مجرد أناس نسعى وراء لقمة العيش.”

ضحك نينغ يو وقال:

“بصراحة، لطالما شعرت أنك تشبههم، لكنك في الوقت نفسه لا تشبههم. أحيانًا تبدو كابن عائلة ثرية، وأحيانًا كصاحب بسطة فقير. أنت غريب.”

حقًا؟ لكن الإنسان لا يمكن أن يكون له وجه واحد فقط. أنا فقط أحب أن أضبط نفسي بحسب الموقف الذي أكون فيه، إلى أن لا تبقى أي شقوق في القناع الذي أرتديه.

عبث آ-تشونغ بغلاف الحلوى بين أصابعه، وأشار إلى الحشود المتخبطة أمامهما وهو يتابع:

“انظر. هذا مجرد معلم سياحي واحد، لكن داخله تجري مئات الأعمال. هناك من يبيع تذاكر مزيفة، ومن يلتقط الصور للسياح، وحراس أمن، ومن يجمع الغرامات، وباعة الطعام والهدايا الصغيرة… أنا لا أنحدر من عائلة جيدة مثلك. منذ صغري، كان عليّ أن أعتاش في مثل هذه الأماكن. كان عليّ أن أكسب المال كي أعيش.”

نادراً ما كان آ-تشونغ يتحدث عن نفسه وعن ماضيه بهذه الطريقة.

أطفأ نينغ يو سيجارته ومدّ يده نحو يد آ-تشونغ، لكن الأخير تهرّب منه وهو يوبّخه ضاحكًا:

“كفّ عن هذا. الجو حار جدًا.”

“أريد أن أمسك يدك.”

“لا تصبح عاطفيًا هكذا.” ابتسم آ-تشونغ بلا اكتراث، وأخرج حلوى أخرى من جيب نينغ يو. “كل من لم يكن محظوظًا يتعلّم الصلابة. أنا بخير الآن، فلا تنظر إليّ بهذه النظرة الحزينة.”

عضّ آ-تشونغ الحلوى الصلبة حتى تكسّرت في فمه. حلوة… حلوة إلى درجة جعلته يضيّق عينيه.

نظر إليه نينغ يو قبل أن يقول بصوت خافت:

“حين تقول أشياء كهذه، أشعر أنك قريب مني جدًا… وفي الوقت نفسه بعيد. لهذا أريد أن أتشبث بك.”

ابتسم آ-تشونغ ولم يقل شيئًا آخر. لفّ ذراعه حول خصر نينغ يو وسارا إلى الأمام.

“لم أسألك عن هذا من قبل… ماذا كان يعمل والداك؟”

استطاع آ-تشونغ أن يسمع الحذر في صوت نينغ يو.

وهو يمضغ الحلوى، عدّل قبعة نينغ يو. وحين تأكد أن نينغ يو لا يستطيع رؤية تعبير وجهه، قال بنبرة مسرحية:

“والداي؟ كان أبي تاجر مخدرات يتنقل في المثلث الذهبي وعلى حدود يونان، وكانت أمي المرأة التي واجهت العواصف والأعاصير معه! أُدخلا السجن وأنا صغير، ولم أرهما بعدها أبدًا. سواء أكانا أحياء أم أمواتًا، فهذا لا يعنيني.”

قال ذلك بالنبرة نفسها التي كان يستخدمها عندما يمزح مع نينغ يو.

هذا يبدو غريبًا ومبالغًا فيه أكثر من اللازم، وبعيدًا جدًا عن عالم نينغ يو… هكذا فكّر آ-تشونغ. وإلا، فلماذا قال نينغ يو:

“أعطني إجابة جدية. كان هذا سؤالًا جديًا.”

لقد قلت لك الحقيقة، لكنك لم تصدقها. لم يعرف آ-تشونغ إن كانت ضحكته في تلك اللحظة صادقة أم لا، لكنه ضحك على أي حال.

وعندما تحدث مجددًا، ظلّت نبرته كسولة ومازحة:

“كنت جادًا.” هزّ آ-تشونغ رأسه. لماذا لا يصدق الأخرين الحقيقة؟ لماذا يفضّل الجميع سماع كلمات غير صادقة؟

قطّب نينغ يو حاجبيه ثم قال:

“أعتقد أن من يكون والداك لا علاقة له بمن تكون أنت. لا بأس إن لم ترغب في إخباري، لكني أريدك أن تعرف أنني لن أحكم عليك بسبب ذلك. سألت فقط لأنني… أشعر أنني لا أعرف الكثير عن ماضيك. أحيانًا أريدك أن تخبرني بالمزيد.”

حسنًا، يبدو أن هذا الرجل يظن أن لديّ سرًا مظلمًا عميقًا أخجل من البوح به. لقد أخبرتك! أنت فقط لم تصدّقني!

ماضيَّ؟ لن أحدثك عنه. لقد رميته خلفي بالفعل. ما أريده هو المستقبل.

رفع آ-تشونغ رأسه ينظر إلى ظلال الأشجار الممتدة أمامه.

كانت الشمس تخترق عينيه وتصيبه بالدوار. قاد نينغ يو وهو يلف ذراعه حول خصره ليعبرا الطريق. مرّ السياح والمارّة بجوارهما، وتعلّقت أنظارهم بوجهيهما للحظة. ما زالوا ينظرون، هيه، لماذا تنظرون إليه انا ذو المظهر الأفضل بيننا؟ كفّوا عن التحديق! إنه يحب الرجال، وقد مارست الجنس معه حتى جعلته يذوب تمامًا الليلة الماضية! ولا تنظروا إليّ أيضًا! لم أعد أحب الفتيات منذ زمن طويل.

لاحظ نينغ يو من طرف عينه أن آ-تشونغ كان ينظر إلى امرأتين تقفان جانبًا وترتديان سراويل قصيرة جدًا. عبس فورًا، ومدّ كفّيه ليغطي عيني آ-تشونغ مباشرة.

“لا يُسمح لك بالنظر!”

ضحك آ-تشونغ بصوت عالٍ وسحب يدي نينغ يو إلى الأسفل.

“لا أنظر، لا أنظر. ساقاك أجمل من ساقيهما على أي حال.”

واصلا السير في الشوارع، وكان أمامهما الآن الطريق نفسه الذي مشيا فيه قبل عام.

فجأة، لم يستطع آ-تشونغ أن يصدق أن عامًا كاملًا قد مر منذ ذلك الحين.

أمال رأسه جانبًا وسأل نينغ يو:

“ألم يقل والداك شيئًا عندما جئت إلى بانكوك؟”

توقف نينغ يو قليلًا، ثم التفت إليه مازحًا:

“بالطبع لم يعجبهم الأمر. أبي أراد كسر ساقيّ. لكنه كان مشغولًا ولم يكن لديه وقت للاهتمام بي. لذا إن طردتني من هنا، فلن يكون أمامي سوى العودة إلى المنزل ووراثة شركة والدي.”

ضحك آ-تشونغ.

“كفّ عن هذا. إنفاق المال ممتع فقط حين تكون قد كسبته بنفسك.”

فكّر نينغ يو قليلًا قبل أن يسأل فجأة:

“تشونغ-جي، ألم تفكر يومًا في العودة إلى الصين؟”

العودة إلى الصين؟

فكّر آ-تشونغ في الأمر.

“فكرت في ذلك، لكن…”

لكن ليس لي هناك عائلة، ولا أصدقاء، ولا جذور. فكرت مرات لا تحصى في العودة، لأرى إن كان محل الحلاقة الذي عملت فيه سان جيه ما يزال موجودًا، وإن كان حيّ الداي المليء بأشجار الموز قد تغيّر… لكنني أخشى ألا أجد شيئًا. في الأصل، لم يكن لي منزل أعود إليه.

قال:

“لكن يبدو أنه ليست لدي أيّ أسباب للعودة.”

نظر إليه نينغ يو، وكاد أن يتحدث، لكنهما كانا قد وصلا إلى وجهتهما.

لقد وصلا إلى المقهى نفسه الذي زاراه من قبل. توجها إلى المنضدة للطلب. سأل آ-تشونغ الموظف بالتايلاندية عن سبب تغيّر الديكور الداخلي تمامًا، فأجابه بأن المقهى قد انتقلت ملكيته؛ إذ إن الزوجين المالكين السابقين تطلقا وباعا المحل.

طلبا المشروبين نفسيهما كما في المرة الأولى. طلب آ-تشونغ ماء جوز الهند لنينغ يو، وأمريكانو لنفسه. وبعد أن استلما الطلب، جلسا في المكان ذاته الذي جلسا فيه سابقًا.

“كنت آتي إلى هنا لشراء حبوب القهوة.” هزّ آ-تشونغ رأسه. “كان المالك الرجل خبيرًا فعلًا. هو وزوجته السابقة كانا أول حب لبعضهما، لكنهما انتهيا بالطلاق بطريقة ما.”

شعر نينغ يو أن موضوع الحديث هذا خطير، فخطّط لتغييره.

“آه… هل تؤلمك يدك؟”

“لا.” كشف آ-تشونغ نية نينغ يو، ولم ينوِ أن يتركه ينجح. تابع قائلًا:

“أرأيت؟ لقد أثبتت حالات كثيرة أن العلاقات هي الأضعف على الإطلاق. مهما كان الزوجان قريبين من بعضهما، فقد ينتهي بهما الأمر إلى الطلاق في النهاية.”

تنهد نينغ يو.

“سمعت أننا في شهر العسل. هل أنت متأكد أنك تريد الحديث عن الطلاق الآن؟”

أنت الشخص الوحيد الذي أتحدث معه عن هذا. رفع آ-تشونغ حاجبه.

“أنا فقط أذكّرك، حتى تكون أكثر وعيًا.”

بدا نينغ يو عاجزًا قليلًا. ضغط على طرف حاجبه، وهي الحركة التي يفعلها دائمًا عندما يتردد في أمر ما.

قال:

“كلما ذكّرتني بهذا، بدا الأمر متعمّدًا أكثر… لا أعرف إن كنت تذكّرني أنا، أم تذكّر نفسك.”

أوه، لقد لاحظت. ماذا، هل أصبح هذا الخشب الذي لامس الربيع أذكى كلما مارسنا الجنس؟ لعل الحب هو الطريقة التي تستخرج بها الحلاوة من الخشب.

كان آ-تشونغ على وشك الرد، لكن نينغ يو واصل:

“لا أعرف إن كنت تشك في أن الحب يمكن أن يدوم طويلًا، أم أنك فقط لا تثق بي.”

حسنًا. في الحقيقة، أنا لا أثق بشيء.

تظاهر آ-تشونغ بالتفكير، وقال ببطء:

“الأشخاص يتغيرون. إن أحببتك اليوم وأحببت شخصًا آخر غدًا، ألا سيحزنك ذلك؟ أنا أفعل هذا من أجلك. الزواج، العلاقات… جميعها زائلة جدًا. أقل عملية حتى من المال والدراجات النارية.”

ضحك نينغ يو عند سماع ذلك. شبك ذراعيه وغيّر جلسته.

“أنت لا تحب أن تنتهي الأشياء، لذا لا تبدأها. هذا غير منطقي بالنسبة لي. أنت مطوّل جدًا في التأكيد على هذا أمامي طوال الوقت. لو كنت قد سئمت مني حقًا، لكنت طلبت مني أن أرحل منذ المطار.”

نظر نينغ يو إليه من طرف عينه.

“تدور حول الموضوع وتلقي تلميحات خفية، فقط لأفهم أن عزيزي آ-تشونغ يجب أن يُعامَل بحذر، وأنه ثمين جدًا. تريدني أن أقلق بشأن الغد كل يوم، ولهذا لن يكون لي غدٌ إلا إن عاملتك اليوم معاملة ممتازة، أليس كذلك؟ أعرف، أعرف.”

أوه، حسنًا، لقد أصبح يمزح ببراعة الآن. هزّ آ-تشونغ كتفيه ورفع كفيه.

“من الجيد أنك تعرف.”

نظر إليه نينغ يو مرة أخرى. هذه المرة، كان نظره ألطف.

قال:

“في الحقيقة، أرى أن العهود والعلاقات… لا يلزمها أن تكون أبدية وطويلة الأمد. دعنا نسير وفق طريقتك في النظر إلى الأمر الآن. جمال الحب ليس في مدته، بل في الإحساس نفسه… كأن يأتي وقت نكون فيه أنا وأنت مستعدين معًا لأن نصدق أن شيئًا مستحيلًا سيحدث. لكل شخص لحظة كهذه. أليست هذه اللحظة هي الأثمن؟”

لقد تغيّر. كيف أصبح بليغًا إلى هذا الحد الآن؟

كان ذهنه قد شرد، لذلك انتهى بآ-تشونغ الأمر إلى طرح سؤال غبي:

“هل آمنتَ بهذا من قبل؟”

“نعم.” أومأ نينغ يو برأسه. ابتسم، وكان يبدو راضيًا قليلًا عن نفسه. “مثل الآن، على سبيل المثال.”

يا له من بارع في تطبيق ما تعلّمه وتطويره. طالب نموذجي بحق.

حسنًا، لقد فاز بهذه الجولة.

وبابتسامة على وجهه، أنزل آ-تشونغ بصره إلى يديه.

كانت هذه المرة الأولى التي يجد فيها نفسه مترددًا في لقاء نظرة نينغ يو. ربما لأنه كان صادقًا أكثر مما ينبغي؟ ربما. غطرسته الوقحة انحسرت مرة أخرى. وبسبب هذا الشخص الصريح الذي يقف أمامه، وأفكاره الصريحة، أصبح هو الآخر أبسط وأكثر مباشرة، هكذا فكّر آ-تشونغ.

تظاهر نينغ يو بترتيب محتويات حقيبته. وبعد تفكير قصير، قال:

“تذكرت شيئًا فجأة. هل تذكر… الكتاب الذي تحدثنا عنه آخر مرة جئنا فيها إلى هنا؟”

أنا أتذكره. كتاب اسمه حدّ الموسى. حدّ الشفرة، طرف السكين. هل فكرت يومًا لماذا يحمل هذا الاسم؟ السكين تشقّ الحياة لتكشف حقيقتها تحت كل تلك الأقنعة. السكاكين سيئة؛ فهي تترك جروحًا على الجلد. لا داعي لأن نكون حادّين إلى هذا الحد، لنكن ألطف.

هزّ آ-تشونغ رأسه.

“لا أتذكر.”

“أخبرتك إنني لم أنهِ قراءته حينها، لكنني أنهيته في الطائرة عندما عدت.” قدّم النادل مشروبيهما، فشكره نينغ يو. “هل تريد أن تعرف كيف انتهى؟”

أنا أعرف كيف انتهى. لقد بحثت عن الكتاب وقرأته. ومع ذلك قال آ-تشونغ:

“تفضل.”

“النهاية… لا تبدو كنهاية فعلًا، بل كبداية.” قال نينغ يو. “البطل لم يُتمّ زواجه، واختار أن يسافر في كل مكان… وفي النهاية عاد إلى بلدته وأصبح سائق سيارة أجرة هناك.”

أدرك أنه ليس بارعًا في سرد القصص، على الأرجح، لأنه عقد حاجبيه.

“إنه… أظن أنني أستطيع فهمه الآن، من ناحية ما. هناك أجزاء كثيرة في الكتاب لم أفهمها، لكنني أعتقد أنه شجاع.”

إذًا؟ هل تقول إنني لست شجاعًا؟ أخذ آ-تشونغ رشفة من قهوته.

“فما الذي تريد قوله؟”

“أريد فقط أن أقول… إنها مجرد عودة. ليست بالأمر الكبير.” توقّف نينغ يو قليلًا. “إن أردت العودة، يمكننا أن نفعل ذلك معًا. وإن لم تحب البرد، فلنبحث… لنبحث عن مدينة ليست باردة إلى هذا الحد. سأعمل وأعيلك. أعني… سأكون معك، على أي حال.”

من المؤكد أن نينغ يو غير مناسب لقول أشياء كهذه. ايووو…

وضع آ-تشونغ فنجانه على الطاولة وسأل:

“أشعر بالفضول فجأة. عندما جئتَ إلى هنا من أجلي في المرة الأولى… ماذا كان يدور في ذهنك؟”

كانت الموسيقى في المقهى صاخبة قليلًا. شعر آ-تشونغ بانزعاج بلا سبب واضح. لماذا ينزعج الناس في لحظات لطيفة ومليئة بالمودة؟ غريب فعلًا.

“ماذا كان يدور في ذهني؟” فكّر نينغ يو قليلًا قبل أن يقول ببطء:

“كنت أفكر… ماذا أفعل إن لم تردّ عليّ؟ ماذا أفعل إن كنتَ مستعدًا للحديث معي؟ ماذا أفعل إن أحببتني، وماذا أفعل إن لم تحبني؟”

كان رأسه مليئًا بالأفكار حقًا. ضحك آ-تشونغ.

“وهل توصلتَ إلى حل إذن؟”

نظر نينغ يو إليه وابتسم.

قال:

“ليس هناك سوى حل واحد، وهو أن أتشبث بك ولا أتركك أبدًا… أنا عنيد.”

نعم، لاحظتُ ذلك.

بعد أن قال ذلك، أخرج نينغ يو قطعة حلوى من جيبه ووضعها على الطاولة، ثم نقرها بإصبعه في اتجاه آ-تشونغ. ضغط آ-تشونغ عليها في الوقت المناسب كي لا تنزلق بعيدًا. كانت حلوى صلبة بنكهة الفراولة. لم يأكلها، بل أخذ يعبث بها فقط.

تبادلا الحديث بلا حدود. لم يكن هناك موضوع ثابت؛ كان الأمر أشبه بدردشة عادية تمامًا.

كان الجو حارًا جدًا.

إلى جوارهما، جلس طاولة مليئة بزبائن من الصين يتحدثون باللهجة الكانتونية.

استمعا إليهم قليلًا، ثم قال نينغ يو فجأة، وكان الحسد واضحًا في نبرته:

“لغتك الصينية تحمل قليلًا من اللكنة الكانتونية. هل تعلمتَ الصينية من ذلك الرجل الكانتوني؟”

تسك. إنه يغار من كل شيء وكل شخص.

“ربما لأنني أحب مشاهدة أفلام هونغ كونغ؟ لا أظن أن الأمر سيئ إلى هذا الحد. أنا وسان جيه لدينا فعلًا لكنة خفيفة، لكن يمكنك أن تعلّمني أكثر.” ضحك آ-تشونغ عليه. “لا يمكنك أن تغار بلا سبب في شهر العسل، وإلا ستحصل على الضرب الليلة.”

رفع نينغ يو رأسه بعناد.

“أستطيع تعليمك، لكن مقابل أجر.”

“هاه؟” قال آ-تشونغ. “وكم؟”

“لا أريد مالًا. أريد منك شيئًا آخر. غدًا…” ألقى نينغ يو نظرة خاطفة عليه، وكانت نظرته مترددة.

“…لن أضطر إلى رمي العملة الليلة.”

من الواضح أنك لا تستطيع التفكير في شيء آخر. ضحك آ-تشونغ.

“حسنًا. عليك أن تعلّمني جيدًا إذن.”

اغتنم نينغ يو الفرصة فورًا.

“…ولا أحتاج إلى رميها في اليوم الذي يليه أيضًا.”

“أعطيك شبرًا فتطلب ميلًا.” نظر إليه آ-تشونغ بتفحّص. “توقف حين ينبغي لك التوقف. لا تكن جشعًا أكثر من اللازم، حبيبي نينغ. أستطيع أن أعدك بشيء واحد مؤكد: لن أتزوج جوشيان.”

احمرّ وجه نينغ يو. كان آ-تشونغ قد مازحه كثيرًا باسم جوشيان بعد تلك الحادثة. لم يكن بيده حيلة، ولم يستطع إلا أن يلوم نفسه على تلك الكلمات الغبية التي قالها آنذاك.

ظل خجولًا قليلًا، ثم قال:

“ليس جوشيان فقط، بل أي شخص آخر أيضًا.”

ثم خرجت يداه اللتان كان يخفيهما تحت الطاولة فجأة، وناول آ-تشونغ زهرة ورقية.

أوه؟ رفع آ-تشونغ حاجبه.

“سأضيف هذه الزهرة أيضًا، فهل تمنحني أمنيتي بألا أرمي العملة بعد غد؟” كان نينغ يو على الأرجح يحاول تقليد تصرفات آ-تشونغ وطريقته في الحديث. “من فضلك، كن رحيمًا وخذ هذه الزهرة، أيها الوسيم، أشفق عليّ قليلًا.”

يا إلهي، كم هو أحمق. أخذ آ-تشونغ الزهرة وهو يبتسم ابتسامة عريضة.

“أوه~ لم تسرق حيلتي السحرية سرًا فحسب، بل قلدتَ أيضًا هذه الزهرة الورقية عني.” غير مبدع إطلاقًا.

شعر وكأنهما عادا إلى ذلك اليوم. كان عصرًا حارًا مثل ذاك اليوم، وكانا في المقهى نفسه، يجلسان في المقعدين نفسيهما. الممثلون أنفسهم، لكن النص مختلف، والجُمل مختلفة. بدوا وكأنهما عادا إلى البداية، لكن الأمر كان يبدو أيضًا كبداية جديدة.

لم يخبر نينغ يو آ-تشونغ بأنه ما يزال يحتفظ بالزهرة التي طواها آ-تشونغ بلا اكتراث من منديل ورقي، ويضعها بين صفحات ذلك الكتاب المسمّى حدّ الموسى. كانت الوردة الورقية محشورة بين صفحات حدّ الموسى، تمامًا عند الموضع الذي بدأ منه نينغ يو عندما التقط الكتاب مرة أخرى.

سأله:

“هل هذا كافٍ ليجعلك سعيدًا، سيدي؟”

ضحك آ-تشونغ وهزّ رأسه.

“لا.”

لا شيء سيكون كافيًا أبدًا.

رفع نينغ يو حاجبه، وتظاهر بالإحباط.

“أنت صعب الإرضاء، سيدي.”

لا. في الواقع، أنا بسيط. لا أريد الكثير، ولا القليل. أريد شيئًا مناسبًا تمامًا.

لكنني أريد لهذه العلاقة أن تكون صالحة ليوم واحد إلى الأبد. بهذا فقط يمكن للّعبة أن تستمر. إن ضبطنا العطاء وجعلناه دائمًا مقدارًا ثابتًا، فسنضمن عائدًا مستقرًا، وسيربح كلانا دون أن يخسر أيٌّ منا شيئًا.

وأريد أن يكون لي القرار في كيفية سير هذه اللعبة.

فكّر آ-تشونغ قليلًا، ثم غمز لنينغ يو وقال:

“هل سمعت بهذه الأغنية؟ أظنها كانت مشهورة جدًا… هناك سطر يقول: ' ست وثلاثون حيلة في الحب: على المرء أن يحافظ على سحره دائمًا، كي يسجّل ولا يُقصى من اللعبة '. يا لها من أغنية! إن تعلمت من كلماتها، ستفهم لماذا أنا صعب الإرضاء إلى هذا الحد.”

صُدم نينغ يو عندما سمع اسم تلك الأغنية القديمة: ست وثلاثون حيلة في الحب.

“…يبدو أنك تحب الاستماع إلى الموسيقى كثيرًا.”

ليس حقًا، لكن لم يكن لديّ خيار. تلك كانت الأغاني التي كنت أستمع إليها حين كنت في الصين. وهناك أغنية أخرى تقول… “أنت الكهرباء، أنت الضوء، أنت الأسطورة الوحيدة”. آنذاك، كانت هذه الأغاني الشعبية، وشيزيلانغ، والمسلسل الذي كان اسم بطله العصفور الصغير، هي الروابط القليلة التي كانت تصلني بمدينتي الأم، مما بقي في ذاكرتي.

كان نينغ يو يضحك. قال:

“لقد قبلتَ زهرتي، لذا لا يحق لك بعد الآن أن تتلقى الزهور إلا مني. هل تريد العودة إلى يونان؟ هناك الكثير من الزهور في مسقط رأسك. يمكننا العودة لنشاهد بحار الزهور.”

أريد. أريد ذلك.

أحب التحدث بالصينية. أريد العودة، لكن لم تعد لي جذور في الصين، ولهذا شعرت بالقرب منك. ولهذا شعرت بالقرب منك حين كنتَ تقرأ لي. عندما قلتَ إنك ستعود معي، لم تبدُ غريبًا—بل بدوت شخصًا عزيزًا عليّ. كما قلتَ تمامًا. في هذه اللحظة، بسبب نسيم بانكوك، وبسبب ابتسامتك والحلوى التي أعطيتني إياها، وبسبب الحذر والدفء في صوتك، أنا مستعد لأن أصدق—في هذه الثانية—أن الحب سيدوم.

ضحك آ-تشونغ وقال:

“لنتحدث عن هذا لاحقًا. لا يزال عليك أن تذهب إلى الجامعة.”

ضمّ نينغ يو شفتيه، لكن كلماته كانت لطيفة.

“لا يمكنني الذهاب إلى الجامعة طوال حياتي. أنا جاد. عليك أن تفكر في الأمر جيدًا.”

أنا جاد أيضًا. تمامًا كما أنني مستعد لأن أصدق أن هذا المكان قد يكون موضع بدايات جديدة في المستقبل أيضًا، تمامًا كما بدأت كلّ أشياءنا هنا. ستظل عزيزًا عليّ دائمًا. على أي حال، في هذه الثانية تحديدًا، أنا أحبك كثيرًا.

مرّت ثانية واحدة.

ما زلتُ أحبك… قليلًا.

أنهى آ-تشونغ قهوته. ارتسمت على وجهه ابتسامة طبيعية، وكان على وشك أن يتحدث، حين التقط طرفُ عينه شيئًا آخر.

في تلك اللحظة، تغيّر الجو بالكامل. كان الحرّ خانقًا في الخارج. وفجأة، شعر آ-تشونغ بموجات كثيفة من الضيق والغضب تندفع من أعماقه.

ضغطها إلى الأسفل ونظر إلى الجهة المقابلة بصمت.

كان ذلك عند صفّ من ثلاث طاولات أمامهما، إلى يسارهما. فتاة شابة نحيلة وقصيرة القامة، ذات بشرة صفراء مائلة إلى البني، كانت تبيع عدة عقود من الزهور، ويبدو عليها التوتر والقلق.

ضيّق آ-تشونغ عينيه وهو يراقب تعابيرها وحركاتها. انخفض وجهه وتلبّد.

كان نينغ يو يتحدث مع آ-تشونغ عن خططهما بعد العشاء. ناداه عدة مرات دون أن يتلقى ردًا، فرفع رأسه ونظر إلى آ-تشونغ، ثم اتبع اتجاه نظره.

كل ذلك حدث خلال فترة قصيرة جدًا. نظر نينغ يو إلى آ-تشونغ عدة مرات، ثم إلى الفتاة.

وشاهدا الأمر في الوقت نفسه.

الفتاة، مذعورة ومرتبكة، مدّت يدها ببطء نحو حقيبة امرأة.

عقد نينغ يو حاجبيه. أما آ-تشونغ فلم يقل شيئًا. اكتفى بالمشاهدة بصمت. لم يفهم نينغ يو ما الذي يحدث، وكان على وشك أن يسأل، لكن آ-تشونغ أشار إليه بإيماءة، كفّه متجه إلى الأسفل.

صمت نينغ يو.

وبسبب توتره، بدا كل ما حدث بعد ذلك وكأنه يتحرك ببطء شديد أمام عينيه، كأنه مشهد مصوَّر أُبطئت سرعته مرات لا تحصى…

رأى الرجل الجالس بجانب المرأة يلتفت فجأة، ويلحظ تصرّف الفتاة. عبس الرجل، وانحنى، وتغيّرت ملامحه وهو يمدّ يده نحوها ويفتح فمه—

لكن قبل أن يتمكن الرجل من النطق، صاح آ-تشونغ بصوت عالٍ:

“—لص!”

في اللحظة نفسها، ارتجف جسد الفتاة بالكامل. ألقت عقود الزهور من يدها واندفعت للهرب. كان واضحًا أنها تعرف المكان جيدًا؛ فقد ركضت نحو ممرّ أضيق.

ارتجف جسد نينغ يو كله.

خاطره فجأة شعور غريزي. من كان آ-تشونغ يحذّر؟ صاحبة الحقيبة، أم الفتاة؟

في تلك اللحظة، أخبره حدسه أنه كان يحذّر الأخرة.

دفع آ-تشونغ كرسيه إلى الخلف. وبينما كان الجميع لا يزالون في حالة صدمة، كان قد اندفع بالفعل خلف الفتاة، راكضًا في الاتجاه الذي سلكته.

هل وجدت خطأ؟ قم بالإبلاغ الآن
التعليقات

التعليقات [0]