لاحقًا، عندما كان نينغ يو يستعيد ذكريات تلك الرحلة، ظل عاجزًا عن فهم كيف انتهى به الأمر وقد دفع المال بطريقة ما. ربما كان هو وأفواج السياحة التايلاندية مرتبطين بقدر أبدي، ولن يتمكن أبدًا من الإفلات منها.
قاما بالتسجيل في فوج سياحي يسلك الطريق نفسه الذي كان آ-تشونغ قد اصطحب نينغ يو فيه من قبل. كانت رحلة لستة أيام وسبع ليالٍ (من دون تذاكر الطيران)، وبسعر رخيص نسبيًا. وكان ذراع آ-تشونغ قد شُفيت تقريبًا، لكنه لم يكن قادرًا على حمل الأشياء الثقيلة. كان نينغ يو قلقًا على ذراعه، لكن آ-تشونغ دحض قلقه قائلًا: “أستطيع أن أضاجعك حتى لو كان لدي ذراع واحدة فقط، لستُ بحاجة إلى القيام بأعمال شاقة أخرى، أليس كذلك؟”
أسكته ذلك تمامًا.
وبما أنهما سيغادران، كان لا بد من أن يتولى شخص آخر رعاية قطتهما. كان نينغ يو قد أراد ترك القطة لدى الجيران، لكن آ-تشونغ رفض. وأصرّ على ترك الأميرة لدى سان جيه.
…لقد كانت غاضبة منك جدًا، ونظرت إلى الأميرة بازدراء واضح.
حاول نينغ يو إقناعه بالعدول عن الفكرة. “هل تعتقد حقًا أنها ستعتني بالقطة من أجلك؟”
“لا داعي للاهتمام بمشاعرها. فقط اتركها لديها مباشرة.”
“…ألا تعتقد أنها ستنفجر غضبًا عندما نظهر أمامها؟”
ابتسم آ-تشونغ لنينغ يو. “لأنها ستغضب بالضبط، أريد الذهاب لإغضابها أكثر! لا يمكنني ألا أجعلها تدفع ثمن صفعها لك على وجهك، أليس كذلك؟ سيكون أمرًا رائعًا إن أغضبها هذا!”
وهكذا، لم يكن أمامهما سوى التوجه إلى مطعم سان جيه، وهما يحملان الأميرة، مع طعامها وألعابها.
توتر نينغ يو فور دخولهما المطعم. كان يقبض على الصندوق الذي يحمل الأميرة بقوة حتى كاد يُحدث فيه ثقوبًا؛ كان خائفًا للغاية من أن تثور هذه المرأة فجأة وتنهال عليهما ضربًا.
تفاجأ نينغ يو بهدوء سان جيه هذه المرة. سألت آ-تشونغ بهدوء عن تعافي جرحه، ثم سألتهما عمّا يرغبان في تناوله، وقالت إنها ستطبخ لهما. لكنها لم تتحدث إلى نينغ يو إطلاقًا.
“لا، شكرًا.” ساير آ-تشونغ تصرّفها المهذب. كان يريد إنجاز مهمته بأسرع ما يمكن. “جئت فقط لأعطيك كنزًا.”
وبعد أن قال ذلك، أشار إلى نينغ يو ليضع الصندوق على الأرض. ثم خطط فورًا للمغادرة مع نينغ يو، تاركًا هذه الكلمات خلفه: “اعتني بها جيدًا. سأعود لأخذها بعد أسبوع. هناك عقد لكِ داخل الصندوق، لم أكن أنا من اختاره، بل اختاره هذا الخشبة هنا…”
كانت سان جيه لا تزال في حيرة عندما أنهى كلامه. لكن آ-تشونغ، بحدسه الحاد، لمح المفاتيح المعلقة بجانب دفاتر الحسابات عند مكتب الاستقبال. اندفع سريعًا لالتقاطها قبل أن يفرّ هاربًا، وهو يجر نينغ يو معه.
انصرف انتباه سان جيه عن ذلك الصندوق. صرخت في أثره وهو يبتعد:
“—اخبرتك ألا تقود خلال الأشهر الستة القادمة! ألا تفهم لغة البشر؟”
صرخ آ-تشونغ عائدًا إليها بابتسامة عريضة: “سأجعل نينغ يو يقود بدلًا مني!”
ثم اختفى دون أن يترك أثرًا. عندها فقط أدركت سان جيه أن الصبي الواقف إلى جانب ذلك الوغد كان يُدعى نينغ يو.
كانت هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها آ-تشونغ اسم شخص آخر وهو يحدثها عنه.
حفظت سان جيه هذا الاسم وهي تعقد حاجبيها. وبينما كانت تفكر في أي حروف صينية يمكن أن يُكتب بها هذا الاسم، فتحت الصندوق الورقي. وبما أنها كانت تكره الحيوانات الصغيرة، لم تستطع إلا أن تطلق شتيمة حين رأت القطة تمسك علبة مجوهرات بين أسنانها.
كان آ-تشونغ في غاية السعادة بعد أن استعاد مفاتيحه. أخذ يعرض على نينغ يو دراجاته النارية الثمينة، ويعرّفه على وظائفها بحماس بالغ، وكذلك ألقابها العديدة. وكلما استمر، ازداد وجه نينغ يو قتامة. وفي النهاية، لم يستطع إلا أن يقاطعه: “…هل تعامل دراجاتك النارية كما لو كانت زوجاتك؟ وتطلق عليها أسماء مثل الملكة الحمراء، الملكة البيضاء… هذا تصرف طفولي للغاية!”
ضحك آ-تشونغ من أعماقه. “كل دراجاتي في حرمي! وأنا أسمح لك بركوبها أيضًا، فما مشكلتك إذن؟”
ما مشكلتي؟ أنا أغار! بعد أن غادرت الأميرة، عادت الملكات، وهذه المرة اثنتان، رائع، رائع جدًا… كاد نينغ يو أن يُجنّ، وهو يفكر. لم يكن عليه فقط أن يقلق من المعجبين المحتملين في الخارج، بل كان عليه أيضًا أن يغار من القطط والدراجات النارية…
كان نينغ يو يعارض قيادة الدراجة النارية بشدة، لكنه فعل ذلك في النهاية عندما أصرّ آ-تشونغ. وأصرّ هو بدوره على أن لا يركب آ-تشونغ معه، لكن آ-تشونغ قال: “لا. إن كنا سنستمتع، فسنفعل ذلك معًا.”
لم يستطع نينغ يو إلا أن يقول: “حسنًا.”
وهكذا، ووفقًا للتوقعات، قاد نينغ يو الدراجة النارية بسرعة أبطأ من عربة طفل. كان يخطط لأخذ آ-تشونغ إلى المتجر لشراء مستلزمات الرحلة في اليوم التالي.
جلس آ-تشونغ في المقعد الخلفي، يضحك على مدى حذر نينغ يو.
“لو رآك أصدقائي تقود بهذه الطريقة، فسيلتقطون صورًا لك ويرفعونها على الإنترنت للسخرية منك.”
كان متكئًا بكسل على ظهر نينغ يو.
“أوه.” تظاهر نينغ يو باللامبالاة وسأله: “إن سألك أصدقاؤك من أكون، فماذا ستقول لهم؟”
فكّر آ-تشونغ قليلًا، ثم قال: “سأخبرهم أنك حبيبي.”
“….” توقف نينغ يو لحظة، ثم انفجر ضاحكًا. “من أين تعلمت هذا؟ حبيبي؟ حقًا!”
(قاله بيبي)
“شاهدتُ بعض أفلام هونغ كونغ—سلسلة Young and Dangerous—وكان الرجال فيها ينادون حبيباتهم بهذا الاسم، على ما أظن.” ضحك آ-تشونغ بدوره، ثم سأل نينغ يو: “كيف تشعر وأنت تقود دراجتي في جولة؟”
كيف كان شعوره؟ كان رائعًا حقًا. لا يوجد رجل لا يعجبه هارلي لافتة للأنظار، على الأرجح. وعلى الرغم من أنهما لم يكونا يسيران بسرعة، فإن نينغ يو كان لا يزال يشعر بالمزاج الجيد الذي تمنحه دراجة ممتازة.
قال نينغ يو لآ-تشونغ وهو يواجه الريح: “أشعر… بأنني أتمنى أن تلتئم يدك قريبًا. عندما تتعافى، ينبغي أن تأخذني في جولة، وسأجلس خلفك. أرِني كيف تقود الدراجة النارية.”
كان ذلك سيشعره بمتعة أكبر، فكّر في نفسه.
انتهى بهما المطاف—وهما عضوان مستقبليان في فوج سياحي—إلى القيادة ببطء في الطرقات بدافع المتعة فقط. كانا ينعطفان إلى شوارع وأزقة كلما أشار آ-تشونغ على نينغ يو باتجاه عشوائي. وفي النهاية، وصلا على غير توقع إلى مستودع بابايا للتحف.
قاد آ-تشونغ نينغ يو في جولة داخل المكان. وأثناء سيرهما، ظهرت لدى آ-تشونغ تلك الغريزة المهنية التي تدفعه للشرح. فقد رأى وجرّب أشياء أكثر بكثير من نينغ يو، وكانت كلماته ممتعة. وكانت شروحاته الطريفة، المتخللة بالنكات، قادرة بسهولة على جعل أي مستمع يشعر بالارتياح.
مدّ نينغ يو يده ليمسك بيد آ-تشونغ، وقال مبتسمًا:
“تشرح الأمور بإتقان شديد. هل ينبغي أن أعطي آ-تشونغ خاصتنا إكرامية اليوم؟”
“بالطبع يجب عليك!” سايره آ-تشونغ بجدية مصطنعة. “بعد أن تعطي آ-تشونغ إكرامية، سيقدّم خدمات خاصة! وليس الإكراميات فقط—حتى الحلوى والهدايا الصغيرة يمكنها فتح الخدمات الخاصة!”
حسنًا. حتى وهو يتدلل، كان يفعل ذلك بطريقة مختلفة عن الآخرين، بلا خجل ولا تردد. نبرته التي تمزج بين المزاح والجد جعلت الأمر يبدو كأنه غزل، لكنه ليس غزلًا تمامًا. كانت حركة قاتلة غير مرئية، وقد أوقعت نينغ يو في شباكها تمامًا. كان يشعر بالدوار في كل مرة يفعل فيها آ-تشونغ ذلك.
قال نينغ يو: “أنت آلة بيع ذاتي، أليس كذلك؟ لا تتفاعل إلا بعد أن أُدخل نقودًا أو أغراضًا! محبّ للمال!”
“هذه الطريقة الوحيدة المعقولة.” غمز له آ-تشونغ. “أنا أفكر في الفائدة الاقتصادية كلما فعلت شيئًا، وأحب أن يكون هناك تبادل متكافئ بين شخصين، حتى لا يكون أحدنا في موقع الخسارة.”
قال نينغ يو: “همم. هذه طريقتك في التعامل، لكن هل تواعد الآخرين بهذه الطريقة أيضًا؟”
“بالطبع. أحب أن تكون الأمور عادلة ومنصفة، وأن يكون هناك أخذ وعطاء متوازن، وأن نعتني ببعضنا.” مازح آ-تشونغ قائلًا: “لكنني مميّز. أنا أكثر كسلًا، لذلك آمل بطبيعة الحال أن يُعتنى بي أكثر.”
قال نينغ يو باستسلام: “وكيف لم أعتنِ بك جيدًا، أخبرني؟ تكسّل كما تشاء. سأتكفّل بك.”
ضحك آ-تشونغ. “تبًّا. تقول هذا وأنت مفلس. لا يمكنك حتى أن تتكفّل بدراجتي.”
“…يمكنك أنت أن تكسب المال لتعتني بدراجتك، وأنا أكسب المال لأعتني بك. ما رأيك؟”
“بالطبع. إذن عليك أن تكسب أكثر. فإعالتي ليست بالأمر السهل.” وحين أدار آ-تشونغ رأسه جانبًا، لمع القرط في شحمة أذنه تحت الأضواء. “هل تريد الخدمات الخاصة أم لا، حبيبي؟ هيا، ألقِ العملة بسرعة!”
في تلك اللحظة، كان ما يدور في ذهن نينغ يو: هذا مزعج للغاية. سأطلب منه ألا يرتدي هذا القرط في المرة القادمة التي نخرج فيها. الأخرين يحدقون به طوال الوقت رغم أنه لي وحدي. لا بد أن هذا القرط اللامع هو السبب، تبًا له.
شبك نينغ يو يديه خلف ظهره، وقلّد نبرة آ-تشونغ.
“هل يمكنني معرفة ما هي الخدمات الخاصة مسبقًا؟ أريد أن أتحقق من جودة البضاعة قبل أن أطلب.”
خفض آ-تشونغ رأسه، واقترب ببطء من نينغ يو، حتى توقف على مسافة ملتبسة للغاية.
كانا يقفان في زاوية تُعرض فيها قطع أثاث عتيقة.
همس آ-تشونغ: “ادفع، وستعرف.”
بدت كلماته دعوة، لكنها كانت أيضًا استفزازًا.
وأثناء نظره إلى آ-تشونغ، شعر نينغ يو وكأن التحف المعلقة خلفهما ليست سوى خلفية تُبرز وجودًا متألقًا مثل آ-تشونغ. تلاشت ملامح المكان من حوله، وبقي آ-تشونغ النقطة المضيئة الوحيدة في مجال رؤيته.
كان هذا أول شخص يقع في حبه. والغريب أنه، مهما تكرر الأمر، كان يشعر وكأنه يقع في الحب للمرة الأولى في كل مرة.
فتش نينغ يو في حقيبته عن أحد أكواب الجيلي التي كان يحملها معه دائمًا، فتحه وأطعمه لآ-تشونغ. وكان خجولًا للغاية تحت نظرات الرجل الآخر حتى نسي أي نكهة كان الجيلي.
ظل آ-تشونغ يبتسم له طوال الوقت. مضغ الجيلي بضع مرات، ثم انحنى وقبّل نينغ يو على شفتيه.
آه، إذن كان الجيلي بنكهة الفراولة. وبينما كانا يتبادلان القبلة، فكر نينغ يو بشرود: حسنًا. كانت الخدمة جيدة حقاً.
—
في الثامنة والنصف من صباح اليوم التالي، توجها مسرعين إلى أحد الفنادق ليلتقيا ببقية أفراد الفوج السياحي.
كانت حركة المرور في بانكوك سيئة عادة في الصباح، ولم يُرد آ-تشونغ ركوب القطار، فذهبا بالدراجة النارية، يسلكان طرقًا مختصرة وينعطفان في الأزقة. كان نينغ يو متوترًا أثناء القيادة. فقد استيقظ آ-تشونغ متأخرًا قليلًا، وكان نينغ يو يخشى أن يتأخرا.
وبعد الإسراع، وصلا إلى الفندق في الوقت المحدد تمامًا.
كان الآخرون قد وصلوا منذ الليلة السابقة. كانوا قد تناولوا الإفطار في الفندق وينتظرون الانطلاق.
عندما وصل آ-تشونغ ونينغ يو، كانت مرشدتهم السياحية آمي تعدّ أفراد المجموعة بجانب الحافلة. وفي اللحظة التي كانت تفكر فيها أن شخصين لم يصلا بعد، رمشت بعينيها، فتوقفت بجانبها دراجة نارية لافتة للأنظار للغاية.
رأت شابين طويلين ونحيلين. كان الذي في المقعد الخلفي ذا شعر أطول وعينين تشبهان زهر الخوخ، ويرتدي قرطًا لامعًا للغاية وقميصًا مزخرفًا. وكان القميص الفضفاض القصير بلون وردي صارخ يجذب الأنظار بشدة.
تحت ضوء الشمس الساطع، كان مظهر هذا الرجل وملابسه على حدّ سواء لافتين إلى درجة مبهرة. كانت نظرة واحدة كافية ليدرك المرء مدى فخامة ما يرتديه.
أما الرجل الجالس في الأمام فكان يرتدي قميصًا أبيض. ملامحه وسيمة، ولون بشرته أفتح قليلًا من لون بشرة الرجل الذي خلفه. وبنظرة سريعة، كان يبدو شابًا للغاية.
تفاجأت آمي بوسامتهما إلى درجة أنها رمشت بعينيها لا إراديًا. بعد ذلك، ترجل الشابان—وكلاهما بساقين طويلتين—من الدراجة. اتجه الأبيض نحوها، بينما مضى الوردي باتجاه الفندق وتحدث مع حراس الأمن، وعلى الأرجح كان يناقش معهم أمر ركن الدراجة هناك.
تقدم نينغ يو وهو يحمل أمتعتهما. نظر إلى رقم لوحة الحافلة الواقفة أمام آمي، وبعد أن تأكد منها، سأل المرشدة السياحية التي بدت شاردة الذهن: “هل أنتِ آمي المرشدة السياحية؟”
أومأت آمي برأسها.
“نحن من انضموا إلى الفوج السياحي في اللحظة الأخيرة قبل يومين.”
راجع نينغ يو بياناته وبيانات آ-تشونغ مع آمي، ولم يأتِ آ-تشونغ متمايلًا بكسل إلا بعد الانتهاء من ذلك. قال لآمي بالصينية: “ساوادي كا! تنورتكِ الكريستالية جميلة جدًا!”
لا أحد ينفر من كلمات مزاح تصدر عن رجل وسيم.
ابتسمت آمي، وغطّت فمها بيدها.
“شكرًا لك. هل أنتما صينيان؟ من أين أنتما؟”
ضحك آ-تشونغ. “أنا من اليونان، وهو من شنغهاي. هذه أول مرة لنا هنا، ولسنا معتادين على البلد، لذلك سجلنا في فوج سياحي.”
لم تصدقه آمي. “إن كانت هذه زيارتكما الأولى، فلماذا لديكما دراجة جميلة إلى هذا الحد؟”
“هاها، استأجرناها. كانت باهظة الثمن نوعًا ما. كان من المفترض أن تنتهي مدة الإيجار اليوم، لذلك طلبتُ من الفندق إرجاع الدراجة بالنيابة عنا.”
غير مهتم بالاستماع إلى هذا الرجل وهو ينسج أكاذيبه، استدار نينغ يو ليضع أمتعتهما في الحافلة.
لم يدرك نينغ يو إلا بعد صعودهما إلى الحافلة أن أفراد هذا الفوج السياحي كانوا جميعًا صغار السن نسبيًا، مشابهين لتجربته السابقة. وكانوا جميعًا تقريبًا في أزواج أيضًا. كان عدد الفتيات أكبر من عدد الشبان، كما كان هناك أشخاص سجلوا مع عائلاتهم.
لم يكن عدد أفراد الفوج يتجاوز العشرين، ما يعني أن الحافلة لم تكن ممتلئة. تعمد نينغ يو اختيار مقعدين لهما في الخلف.
وبعد أن انطلقت الحافلة، بدأت آمي بتقديم نفسها في المقدمة، وشرعت في تعداد التعليمات والتنبيهات.
سأل نينغ يو آ-تشونغ: “ألم نسجّل في فوج سياحي تابع لشركتك؟ ألا تعرفك؟”
ضحك آ-تشونغ وقال: “هل أنا مالٌ مثلًا؟ بالطبع ليس الجميع يعرفني! هي على الأرجح من الفرع الصيني. هذا الفوج السياحي أُحضر من الصين. من الأفضل ألا تعرفني، وإلا فسيكون الأمر مملًا.”
لم يكن أيٌّ منهما ينصت إلى شروحات المرشدة السياحية.
قال نينغ يو: “…لماذا أشعر أنك سعيد جدًا؟ ألم تمل من قيادة الأفواج السياحية؟ لماذا أنت متحمس إلى هذا الحد للمشاركة في فوج سياحي؟”
قال آ-تشونغ بحماس، وهو يفتش في جيوب نينغ يو عن قطعة حلوى ويأكلها:
“بالطبع أنا متحمس! أليس من الممتع أن أختبر عملي من منظور آخر؟”
كان نينغ يو قد اعتاد الآن على وضع بعض الحلوى في جيوبه، وكان آ-تشونغ يأخذ منها لنفسه بين الحين والآخر. همم، كانت اليوم علكة—بيق بابول! لا بد أن نينغ يو كان قد جلبها من الصين أيضًا.
بعد أن انتهت آمي من تقديم نفسها وذكر التعليمات، بدأت تقسيم أفراد الفوج إلى مجموعات. كان نينغ يو يعرف هذا الإجراء. يتم جمع الأشخاص الذين سجّلوا معًا في وحدة واحدة لتسهيل العدّ والبحث عن الأفراد. فعلى سبيل المثال، كان نينغ يو قد سجّل سابقًا مع والدته وأخيه الأصغر، ولذلك كانوا ' العائلة الخامسة ' في ذلك الفوج.
ومع شروع المرشدة في تلاوة الأسماء، بدأ كل من نينغ يو وآ-تشونغ يدركان الأمر تدريجيًا.
تبادلا نظرة محرجة، وبدأ الإحراج يتسلل إليهما…
“لي ينغ، لين تشولي، ارفعا أيديكما. حسنًا، أنتما العائلة رقم 3.” دوّنت آمي ذلك في دفترها، وهي تنشط الأجواء في الوقت نفسه. “هل تزوجتما حديثًا؟ لاحظت أن صوركما الشخصية في ويتشات هي صور زفافكما…”
أجابت الفتاة: “نعم، نحن هنا في شهر العسل. سنتوجه إلى المالديف بعد هذا…”
“هوانغ مين، تشاو هوا تشيان… أنتما العائلة رقم 4…”
تنحنح نينغ يو بتصنّع. أخرج هاتفه وتظاهر باللعب عليه. أما آ-تشونغ فكان مستلقيًا بلا اكتراث على مقعده، يراقب نينغ يو وهو يلعب. وبعد فترة، قال نينغ يو: “أرجوك، عزيزي يا آ-تشونغ خاصتنا، لا ترتدِ هذا القميص غدًا.”
نظر إليه آ-تشونغ من طرف عينه. “لقد اشتريت هذا القميص للتو، ومع ذلك تريدني ألا أرتديه؟ كم أنت قاسٍ!”
“الجميع يحدّق بك. هذا يزعجني.” فكّر نينغ يو: أريد بشدة أن ألفّك من رأسك حتى قدميك حتى لا يتمكن أحد من النظر إليك. “أرِني بعض الشفقة، من فضلك، ولا ترتدِ ملابس جميلة إلى هذا الحد وتستجلب مزيدًا من المعجبين! لقد ألقيتُ العملة وحصلتُ على الرقم أمس. أنت لي اليوم. لا يُسمح للآخرين بالنظر.”
“وهل تلومني على هذا؟ هل هو خطئي أنني وسيم؟”
ضحك آ-تشونغ من أعماقه. مال أقرب إلى نينغ يو، وفقاعة علكة على شفتيه. كان المكان من حولهما صاخبًا قليلًا. كانت المرشدة لا تزال تتلو الأسماء، وكان ميكروفونها يصدر طنينًا متقطعًا.
لم تكن ستائر الحافلة قادرة على حجب ضوء الشمس في الخارج. كان الضوء يندفع إلى الداخل، حارًا لاذعًا. وعندما التقت عينا نينغ يو بنظرة آ-تشونغ، بدأ قلبه يخفق بلا سيطرة مرة أخرى. أخذت الفقاعة بين وجهيهما تكبر وتكبر، لكن قبل أن يقتربا أكثر، انفجرت الفقاعة في وجه نينغ يو، فالتصقت العلكة به في كل مكان…
ومع انفجار الفقاعة، انفجرت أوهامه أيضًا.
تنهد نينغ يو في داخله.
“…ماذا تفعل…”
ابتسم آ-تشونغ بمكر وهو يمضغ العلكة، وارتفعت زوايا عينيه قليلًا. “أغازلك.”
في الصف الأمامي، نادت آمي: “نينغ يو، آ-تشونغ، أنتما العائلة رقم 8… ارفعا أيديكما من فضلكما؟”
تشنّج الرجلان اللذان كانا يمزحان ويضحكان عند سماع عبارة “العائلة رقم 8” فورًا. لم يستطيعا تحمّلها إطلاقًا. أدار كلٌّ منهما وجهه في الوقت نفسه وتظاهرا بعدم السماع. لم يرد أيٌّ منهما على المرشدة آمي في المقدمة.
رجلان، العائلة رقم 8، يا لها من فكرة سخيفة ومضحكة… كان هذا هو التفكير المشترك بينهما في تلك اللحظة. وضع نينغ يو سماعات الأذن ونظر إلى خارج النافذة وهو ينظف العلكة عن وجهه. أما آ-تشونغ فشرب قليلًا من الماء، ثم واصل مضغ علكته ونفخ فقاعة. وبعد أن انفجرت، نفخ أخرى من جديد.
لم يجب أحد. في المقدمة، أخذت آمي تبحث عنهما بنظرها. كررت: “نينغ يو، آ-تشونغ، العائلة رقم 8، ارفعا أيديكما من فضلكما. أنتما العائلة رقم 8. إذا كنتما تسمعانني، ارفعا أيديكما!”
شعر نينغ يو بشيء من الأسى الغامض.
على متن حافلة سياحية مألوفة لديه، لم يكن هذه المرة وحيدًا، بل كان أحد أفراد هذه “العائلة رقم 8” المضحكة. في تلك اللحظة، كانت الأغنية التي تُعزف في سماعاته هي Sunny Day. وكان الطقس في الخارج مشمسًا أيضًا. السماء زرقاء إلى حدٍ مذهل.
لماذا كان يشعر بالحرج بسبب أمر تافه كهذا، حتى الآن؟ من الصعب القول. بعد أن تغيّرت طبيعة علاقتهما، لم يعودا يتعاملان مع بعض الأمور باستخفاف، بل بدآ يأخذانها على محمل الجد.
وقد شعرا بالحرج نفسه في الوقت ذاته. ربما كان هذا يعني أنهما على موجة واحدة، نوعًا ما؟
على أي حال. ارتفعت زاوية شفتي نينغ يو قليلًا. رفع يده وقال:
“العائلة رقم 8 هنا.”
كان يعرف أنه يحمرّ خجلًا، لأن وجهه كان ساخنًا جدًا. بالتأكيد بسبب الحر. الجو في الخارج كان حارًا للغاية.
إلى جانبه، ضحك آ-تشونغ بعدما سمع كلمات نينغ يو.
لم يكن الأمر كبيرًا، ومع ذلك شعر بالحرج أيضًا. ما السبب؟ من الصعب تحديده. لو كان مع أي شخص آخر، لما شعر بشيء غريب، لكن الأمر بدا مختلفًا الآن وهو مع نينغ يو.
العائلة. كانت كلمة غير مألوفة له.
رفع آ-تشونغ يده مبتسمًا وقال:
“نحن أيضًا العائلة رقم 8، وجئنا في شهر العسل!”